العناوين الرئيسية

الأنانية هو سلوك له دور كبير في قيام المجتمع وقد تكلمنا في مقال سابق قلنا أن قيام المجتمعات واستمرارها وقوتها لا يكون ب “الحلال والحرام”, فقط, وإنما بمنظومة قيم متكاملة, يتم غرسها في نفوس أبناء هذا المجتمع أو تلك الأمة بحيث يستشعرون أهميتها, ويتم وضعها في الحسبان عند اتخاذ القرارات أو تحديد المسارات الحياتية للأفراد!

وكم من السلوكيات لا تُعد واجبة ولا محرمة ولا مُجرّمة! ولكنها تلعب دوراً خطيراً في تماسك المجتمعات, ومن أخطر تلك السلوكيات والتي تعد من إفرازات المجتمعات الرأسمالية الحديثة: “الأنانية”.

الأنانية

سلوك الأنانية

فلم تعد الأنانية هي المحرك الكبير للإنسان في مرحلة طفولته وإنما تعدت إلى مرحلة شبابه ورجولته, فالذات –والملذات- هي الشاغل الأكبر وميزان النجاح, وما عدا ذلك فهراء!!

وأصبحت تظهر في كثير من اختياراته, مثل طبيعة العمل الذي سيختار, العلاقات الاجتماعية عامة وخاصة مع الوالدين, سن الزواج, ومسائل كثيرة أخرى, سنكتفي في الحديث في مقالنا هذا عن واحدة منها فقط, لنبين النتائج الكارثية المترتبة عليها, والتي قد تصل إلى موت المجتمع, والتي لا يلاحظها أكثرنا لأنها تحتاج لعقود طويلة حتى تظهر!

التحكم في الإنجاب

ومظهر الأنانية المقصود هو: عدم الإنجاب! أو التقليل منه جداً وتأخيره لفترة طويلة, وهذا المسلك وإن كان سائداً في المجتمعات الغربية الرأسمالية, حيث تحقيق النجاح الوظيفي والترقي في الدرجات أهم من تكوين الأسرة وإنجاب الأطفال, إلا أنه بدء في الظهور في مجتمعاتنا العربية على استحياء في السنوات الأخيرة, وخاصة في المدن الكبرى!

فأصبح التوجه حالياً الاكتفاء بولد واحد (استجابة للضغوط الأسرية ولأن الوالدين غير متفرغين له), وبهذا الشكل سنصل في العقود القادمة إلى الوضع الكارثي الذي وصلت إليه المجتمعات الأوروبية والغربية.

وقبل عرض النتائج الكارثية ل “الخطيئة المجتمعية”: عدم الإنجاب, نُبين أن موقف الإسلام من هذه القضية هو الحث على الإنجاب وليس الإكثار منه, ففي زمن الرسول بدء ظهور توجه –ديني- للرهبنة والزهد واعتزال النساء بين المسلمين, فنهى الرسول عن ذلك وأمر بالتزوج والإنجاب!
وفي زماننا المعاصر في البلاد الغربية هناك توجه إلى الاستمتاع بالنساء ولكن بدون أسرة وبدون إنجاب!! وهو ما أدى إلى هذه النتائج الكارثية.

وحتى لا يكون حديثنا من باب التنظير والافتراضات, سنأخذ دولة قوية: ألمانيا, كمثال, لنبين المأزق الحالي الذي ستزداد آثاره تباعا في السنوات القادمة:

في بدايات القرن الماضي كان الهرم السكاني للمجتمع الألماني هرما عادياً يشكل الأطفال والصغار القاعدة العريضة له, والذي يقل مع ازدياد الأعمار! ويمكنك التعرف أكثر من هنا
أما الآن فالوضع مختلف تماما, فالشريحة العمرية من 40 إلى 60 عاما تشكل ربع السكان! وفوق الستين تشكل أكثر من خُمس السكان! ومن 25 إلى 40 عاما تشكل 15%, وشريحة الأطفال والشباب حتى 25 عاما تشكل 20 % من عدد السكان!! وهذا يعني أنه بعد عشرين عاما بالضبط, سيصبح قرابة 40% من المجتمع الألماني في سن التقاعد, بينما مثلهم أو أقل هو من يعمل!!

ولنتصور سوياً كيف سيكون شكل المجتمع الألماني –وأي مجتمع يأخذ نفس هذا المسلك وكيف سيصير مجتمعا ميتاً:
أبرز مشكلة هي مشكلة الرواتب, فسنجد أن هناك نسبة تعمل, ومن نتاج هؤلاء ستُقتطع مبالغ كبيرة لتقدم كمعاشات للمتقاعدين, وهذا لن يعجب الشباب لأنهم سيجدون أنهم يعملون ويمكن أن يحصلوا على رواتب أعلى إلا أنها تؤخذ للعجائز!

ولن يستطيع الشباب تمرير قانون يقلل من المعاشات لأن العجائز هم من سيحددون السياسة, لأنهم سيشكلون الكتلة التصويتية الكبرى التي ستختار نواب البرلمان, والذين سيكونون حتما من العجائز أو يتبنون قضايا واهتمامات العجائز!! نعم ستضطر ألمانيا إلى رفع سن التقاعد إلى 65 أو ربما 70 عاما ولكن هذا لن يحل المشكلة, لأن القدرة الإنتاجية للعجائز لا يمكن أن تكون مثل تلك خاصة الشباب.

ولن يكون التوجه العام للصناعة توجه حياتي باني للمجتمع, وإنما للحفاظ على العجائز الموجودين فعلاً, فسيكون خط الإنتاج الرئيس في المصانع هو احتياجات العجائز, سواء مصانع الأدوية والتي ستنتج المقويات والمنشطات, التي يمكن بها للعجائز ممارسة حياتهم كالشباب, وكذلك الأجهزة الطبية والأجهزة التعويضية, أو المصانع الإنتاجية والتي ستنتج مثلاً مأكولات مناسبة للعجائز وملابسة تلبي احتياجات العجائز!

وستبدأ الدولة في توفير “مساكن العجائز” بدلاً من “مساكن الشباب”, وبناء المزيد والمزيد من بيوت المسنين! وستصبح فرص العمل المتاحة نفسها لخدمة العجائز, ومن ثم سيزيد احتياج المجتمع إلى مزيد من الأطباء وطواقم الرعاية! و “جليس عجائز” بدلاً من “جليس الأطفال”.

وهكذا يصبح المجتمع الشائخ مثل العجوز الشمطاء التي تحاول تجميل نفسها لتبدو أصغر سناً! فها هي ألمانيا –والمجتمعات التي ستقتفي أثرها- تشيخ, ولن ينفعها كل “التكنولوجيا” ولا الفلاسفة ولا العلماء, ولن ينجدها إلا تغيير قيم مجتمعها بإضعاف الأنانية وتزكية قيمة الجماعة والأمة! أو استيراد طاقات بشرية جاهزة وحشو رؤوسها بالثقافة الألمانية –بدءً من الجيل الثاني- حتى يظل في البشرية ألمانيا … وألمان!! ولكنها ليست سوى تزييف وخداع للذات بدلاً من مواجهة الواقع المرير .. الكئيب! 

شارك على مواقع التواصل
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on print
Share on email