العناوين الرئيسية


قبل التحدث عن المفردات، تحدثت في مقالين سابقين عن نشأة “التسمية” من هنا أي كيف تم إعطاء دوال للمدلولات, فلم تعد الطبيعة مجرد “كينونات” محيطة بالإنسان يبصرها بعينه, وإنما أصبح هناك مُعرفات صوتية تحددها وتفرقها عن غيرها, ومع هذه الخطوة وضعت أول لبنة في بناء “عالم الفكر” الإنساني, كما تحدثت عن العلاقة بين هذه الدوال والمدلولات وكيف أنها علاقة طبيعية وليست ضرورية ولا اعتباطية. واليوم أواصل الحديث عن نشأة الكلمة, مقدما تصوري لترتيب ظهور أصناف الكلمة, من اسم وفعل وحرف (وما يندرج تحتهما) فأقول, ومن الله الفتح وعليه التكلان:

تطور اللسان العربي


انطلق في تصوري هذا معتمدا على “اللسان العربي”, والذي يشمل ما يُعرف باللغة العربية والعبرية والأشورية والسريانية, ولغات جنوب جزيرة العرب, والتي تُعتبر أسبق ظهوراً من غيرها من اللغات, ويجمعها كلها نظام لغوي عام كبير, من ثم يمكنني اعتماد تطورها كنموذج للسان الأول وكيف تطور فعلا!

لا خلاف أن “الإنسان الأول” كان يعيش في الطبيعة, حيث ما يحيط به هو أشجار ومياه وحيوانات وحشرات .. الخ, وكان لبعض هذه الظواهر –والكائنات- الطبيعية أصوات, وكان –ولا يزال- للإنسان حنجرة متطورة قادرة على إصدار أصوات متمايزة, ومن الصوت أنشأ الإنسان الصوت, فإذا كان لبعض الأشياء صوت يعرفها به, فلما لا يعطي لباقي الأشياء صوت كذلك؟


وهكذا تم مد الظاهرة الصوتية على مداها وبدأ ظهور الأسماء, ويقينا فإن المفردات الأول التي ظهرت في بدايات اللغة البشرية كانت دوال على كائنات طبيعية, وعلى الباحثين الراغبين في رد المفردات إلى أصولها أن يتذكروا أصلها الطبيعي: بقر, شجر, حيوانات مفترسة, مياه, رياح, نار .. الخ.
ومع مرور الزمان بدء “الصناعي” في الظهور (ما يصنعه الإنسان من رماح بدائية, سكاكين, أكواخ .. الخ), وتم إعطاءه هو كذلك “نعتا” محددا له وهو ما نعتبره نحن حاليا: أسماء, ومن ثم فالبداية كانت بأسماء .. المبصرات.

وهنا نُذكّر بأنه لم تكن توجد هيئة معينة لإصدار الأسماء ولا أفراد بعينهم, وإنما “قوة” أفراد مكنتهم من ي التسمية, وهذا يعني أنه قد ظهر في بعض الأحيان أكثر من اسم لنفس الشيء في نفس الوقت أو في فترة متقاربة, إلا أنه كان لبعضها القدرة على البقاء والاستمرار وبعضها كُتب عليه الفناء, بل وقد ظهرت أسماء متأخرة كثيراً للشيء ويبقى ويندثر الاسم السابق (وهو ما أتوقع أنه حدث وبكثرة مع الانتقال إلى المرحلة الوظيفية في التسمية). وتبعاً لهذه السيولة في عملية التسمية, يمكننا الحديث عن التداخل في توليد المفردات, فلم ينته البشر من إنشاء الأسماء ثم انتقلوا لتوليد الأفعال مثلاً, وإنما في أثناء مرحلة توليد الأسماء ابتدأ توليد الأفعال, وفي أثناء توليد الأفعال ظهرت الحروف وهكذا.

في توالد المفردات

أسبقية ظهور الأسماء


قد يقول قائل: وما الدليل على أن الأسماء –في العربية- هي الأسبق ظهورا؟ فنقول: هناك بعض البديهيات العقلية, مثل أن المركب متأخر عن جزئيه أو أجزاءه, وأن المشتق متأخر عم اشتق منه, والمفردات الدالة على “المادي” سابقة على تلك الدالة على المعاني المجردة, والأسماء حاملة دلالة بسيطة, فهي لا تشير إلا إلى ذوات الأشياء, مثل شمس وقمر وأرض وسماء, بينما الأفعال –في العربية- تشير إلى الحدث وإلى فاعله, مدموجين في كلمة واحدة, وهذا معقد, ويقينا فإن البسيط سابق المعقد!

إذا فالمنطقي أن الأسماء البسيطة هي الأسبق في الظهور, ثم كان بعد ذلك أسماء الأجناس, والتي تطلق على مجموع أصناف نوع بعينه وليس على أحد أفراده, فمثلاً كلمة مثل: نبات/ نبتة هي بالتأكيد متأخرة عن: قمح, شعير, أذرة, فبالتأكيد وضعت هذه الأسماء, وكذلك وضعت أسماء “الدواب” مثل: فيل, فرس, أسد, ثم مع رغبة الإنسان في التشجير –العوئلة, كما بينت في المقال الأول- ابتكرت الأسماء الجامعة: أكل, نبات, حيوان, فلا يوجد شيء بعينه اسمه: أكل أو نبات, وإنما هو اسم دال على مجموع أفراد .. الخ

ولا يقتصر الأمر على أسماء الأجناس فلقد ظهرت كذلك “المعنويات/ المجردات”, وغيرها من أصناف الأسماء, ولكننا نتوقف تحديدا مع أسماء الأجناس لأنها ستساعدنا في الإجابة على التساؤل: هل المصادر سابقة أم الأفعال؟ والذي خاض فيه اللغويون قديما

المصادر أم الأفعال

واختلفت الأقوال فيه بين بصريين يقولون بأسبقية المصادر وكوفيين يقولون بأسبقية الأفعال, فنقول: المصادر نوع من الأسماء, و”المصادر” بشكل عام كانت هي المحاولة الأول لتسمية “الحدث/ الفعل” (وليس: الشيء), وذلك لأن الحدث ليس شيئا ماديا ملموسا ولا حتى فعلا يصدر من كائن ب عينه, وإنما هو فعل يصدر من كل أو جل الكائنات تقريباً, فمثلا حدث المشي أو الجري أو السقوط لا يصدر من إنسان واحد, ولا من الإنسان فقط وإنما منه ومن الطيور والحيوانات والجمادات, ومن ثم كانت الحاجة إلى تقديم اسم يصف هذا الحدث مجردا عن فاعله, ومن ثم استخُدمت نفس آلية التسمية المستخدمة مع أسماء الأجناس, وكما قلنا مسبقاً فإن المجرد متأخر عن المحسوس.

إذا فالمصادر ظهرت أولاً, كتسمية للأحداث بنفس آلية تسمية الأشياء, ثم مع وعي الإنسان بذاته ومع ظهور صيغة الجمع والمثنى وكذلك صيغة التأنيث, ووجود حروف معينة تشير إلى الجمع والمثنى والأنثى, بدأت المرحلة “الذاتية” في التسمية, حيث ربط الإنسانُ الفاعلَ بالحدث الذي أنتجه, ومن ثم تمت “شخصنة” المصادر, بإضافة الحروف الدالة على الفاعل إلى المصدر, ومن ثم ظهر ما نعرفه ب “الفعل”

والملاحظ أن هذه الحروف كانت تدل على الفاعل في المقام الأول, بينما لا يوجد حرف يدل على الفعل بغير محدث, يعني مثلاً حرف الياء يدل على الحدث وعلى أن الفاعل غائب: هو, وحرف النون يدل على الحدث وعلى أن الفاعل نحن, بينما لا يوجد حرف في العربية يشير إلى مطلق الحدث بدون محدث.

وبشكل عام فإن “الزمن” لم يكن مبصرا بشكل واضح عند العرب القدامى, حتى أنهم لم يضعوا سوى حرف واحد للدلالة على الزمن بغض النظر عن فاعل الحدث, وهو: السين (وكلمة: سوف) وعند الإشارة إلى جريان الحدث مثل: يأكل, نأكل, تأكل, اكتفوا بوضع هذه الحروف في بداية “المصدر” للإشارة إلى الحدث الكائن “الفعل المضارع”, وفي نهايتها, مثل: أكلت أكلنا أكلوا, للإشارة إلى ما انقضى “الفعل الماضي”, وأعتقد كذلك أن المضارع قد سبق الماضي في الظهور!

وأنا وإن كنت أقول بأسبقية المصادر على الأفعال فلا استطيع أن أجزم بأسبقية الأفعال للصفات أو العكس, وأميل إلى ظهورهما بالتوازي, وذلك لأن “النعوت” كذلك متأخرة لا محالة, لأنها وضعت للتعبير عن “عرض” مشترك في أشياء عديدة, مثل “طويل” و قصير, ومثل الألوان, فلا يوجد شيء اسمه طويل وإنما هناك عرض الطول المشترك بين أشياء عديدة, ومن ثم فهو نوع من التجريد, ولأن الصفات هي نوع من النسب إلى “الاسم”! إضافة حروف معينة إلى الاسم أو حتى تكسير بنيته, ومن ثم فإن آلية إنشاءها هي قريبة من آلية إنشاء الأفعال, ومن ثم فقد تكون ظهرت بالتوازي.

إذا ففي البدء كانت الأسماء, ثم المصادر ثم الأفعال, ثم الحروف, والقول بتأخر الحروف لأن الحروف تدل على “مجردات” والمجرد متأخر عن المادي, فالحروف لا تشير إلى شيء موجود محسوس وإنما الحروف (والظروف) تدل على علاقة بين شيئين, أو على وجهة الحدث أو العلاقة بينه وبين فاعله أو بين مصدره: أخرج من الغرفة, أكتب بالقلم. وهذه العلاقة ب معنى مجرد
فمثلاً جملة: الأسد في القفص, فالأسد حيوان معروف, والقفص مصنوع معروف وكلاهما مشاهد, بينما لا نشاهد “في” هذا, وإنما هي “تجسيد” أو تحديد لموقعي! ومثلها: الكتاب على المائدة, الموزة لمحمد! ومن ثم ظهر هو و “الروابط” لربط مفردات الجملة ولتبيان العلاقة بينها!

أرجو أن أكون قد قدمت إفادة بشأن تراتب ظهور أصناف الكلام, وبيّنا للقارئ كيف تم توليدها, والله أعلم.

شارك على مواقع التواصل
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on print
Share on email